الحكم المنصف، بين الحقيقة والوهم
2025-08-17

أما عن الحكم السليم، والمنصف، ولكي نستطيع التحدث عنه، يجدر أولًا أن نحدد معنى الإنصاف، ثم نجري محاولة لتطبيقه على عملية إصدار الأحكام.
الإنصاف مصدر أنْصَفَ، وهو استيفاء المظلوم حقه، وإزالة الظلم عنه.
أما إصدار الحكم، فيكون باتخاذ موقف معين تجاه شيء ما، حتى وإن كان داخل العقل فقط، لكنه في نهاية المطاف حكم يُطلق وكأنه هو الحقيقة، وإن لم يكن صواباً، وذلك وفقًا للفرضية بأنه يمتلك خصائص، سلبية كانت أو إيجابية. فإن قلنا إصدار حكم، فكأننا نصف حالة من عدم العدل في التعامل مع الأمور والأشخاص، لأنه يُوصَّف فيها الحال بصفة معينة وكأنها صحيحة بشكل مطلق، ونحن في النهاية لسنا قضاة على العالم، ولا نعلم الغيب.
أما إذا قلنا إصدار حكم عقلي منصف، فكأننا ننفي عن الحكم صفة انعدام العدل، فيكون إما مستوفيًا لجميع التفاصيل التي يجب أخذها بعين الاعتبار لتقييم الأمر بنسبة وجود صفة معينة فيه، وإما أن نكتفي بالقدر الذي لدينا عن الأمر، فنقدّر نسبة وجود الصفة على قدر معرفتنا، ونعترف بأننا لا نعرف أبعد من ذلك، فيكون الحكم أقل غبنًا للحق.
بالإضافة إلى عدم المبالغة في الحكم، واستيفاء جميع التفاصيل الأساسية لكي يكون الحكم أقرب إلى العدل والحق والحقيقة، فإنه أيضاً لا يكون دائماً أبد الدهر، فالأمور تتغير والمعطيات تتبدل، ولا شيء يبقى على حاله.
فهل يصح أن يبقى الشيء موصوفًا بما وُصِفَ به بعد مرور سنوات عليه؟
ألا يتبدل حاله؟
خاصة عندما يكون الحكم بصفة سلبية.
وإننا نتكلم عن الصفة السلبية، ونخصها بحالة خاصة لأنها أدعى لوقوع شيء في القلب على صاحبها.
فإن وُصِف بائعًا ما بأنه قد تحايل على حين غِرّة من العملاء، وذلك ثبت بالحجة والبرهان، فبعد مضي عشر سنوات؛ لأنه من أقصى درجات الظلم أن يبقى تحت تأثير خُلُقه القديم، حيث تتبدل الصفات والسمات في الإنسان، والزمن يُعَدُّ كفيلًا بكل شيء.
الثابت لا يبقى ثابتًا مع مرور الزمن، وتُنفى الصفة بانعدام ثبوتها على الشيء.
إن وُصِفَ شخصًا ما بذلك، فذلك ظلم، ويُعدُّ الالتصاق بالتهمة مدى الحياة غبنًا عظيمًا، حيث تُجَرَّد الأمور من كل الصفات في أساسها، إلا الصفات الفطرية التي خلقها الله عليها.
فإذا اتَّصفت بصفة وثبت ذلك، صارت ملتصقة بها؛ وإن زالت، لم يعد من الصحيح وصفها بتلك الصفة، وهذا هو العدل.
وعامل الزمان يُؤخذ بعين الاعتبار كعامل مهم، لأن الأحوال تتبدل ولا تدوم.
لذلك، عند عرض موضوع أو حادثة للنقاش، يجب التثبُّت منه لعدم الوقوع في المظلمة، وليكون الحكم عقلانيًا، سليمًا، ومنصفًا.
وإن أمكن، يُستحسن ترك الأمور التي لا داعي للحديث عنها، خاصة إذا كانت تتعلق بحياة الآخرين، فذلك أفضل، لأنه يحمي من الوقوع في الخطأ.
كما أنه لكي يكون الحكم منصفًا، يجب ألا يكون الحاكم متحيزاً لأي جهة، لأنه إن حكم وهو متحيز، فلا يكون قد أعطى الأمر حقه من التفكير والتدبر.
رامة حمو