محاكاة في حلبة المصارعة — القسم الثاني
2025-09-22

في تلك اللحظة ارتج جسد فهد المرهق هزة قوية، وفي نفس اللحظة دخلت زوجته الحبيبة إلى الغرفة مسرعة لفصل أسلاك جهاز المحاكاة من جسد زوجها الذي أعياه التعب والإرهاق.
حينها قام كالنائم الذي يصحى ملهوفاً من كابوس أقلق نومه، ونظر إلى زوجته نظرة تعجب وكأنه يريد أن يسألها عن نفسه من هو أو من أين أتى أو حتى في أي زمن هو.
ابتسمت له حبيبته رشا وقالت بصوت خافت مربتة على ظهره:
- لقد أتعبت نفسك بحق، لم يكن لخوفك من نظرة الزملاء إليك أن يستبد بك إلى هذا الحد.
- ولكنه استبد بالفعل.
- إنها مجرد محاكاة.
- محاكاة كأنها واقع.
- لقد قمت بعمل المحاكاة لمدة أسبوعين متتاليين بشكل يومي، ألم تكفيك أربع عشرة مباراة تدريب تؤديها حتى الآن، آن لك أن ترتاح فقد بقي على المبارة ثلاثة أيام وحسب، فلتترك جسدك يأخذ قسطه من الراحة قبل المواجهة.
- لن أتوقف حتى أفوز المبارة مرة على الأقل قبل المواجهة الحقيقية.
- ولكن تبقى ثلاثة أيام فقط!
- سأكمل حتى وإن اضطررت لأن أقوم بعمل المحاكاة ثلاثة مرات في اليوم الواحد.
- ستهلك نفسك.
- سأتحمل.
شارف فهد على وصل الأسلاك مرة أخرى إلا أن رشا حالت بينه وبين ما أراد، فوقفت معترضة، وأومأت برأسها ويدها مهدئة له، وكأنها تقول له انتظر سأخبرك شيئاً.
نظر إليها فهد باهتمام، فقالت:
- إن لاحظت في الأربع عشرة محاكاة التي أديتها، كان في كل مرة ولكل هزيمة عاملاً، ففي المرة الأولى كان السبب هو قلقك حول تمكنك من الحركات التي قد أتقنتها بالفعل وعلمتها زملائك، ولكنك كنت قلقًا حول أداءك إياها أمامهم دونما خطأ. أما المرتين الثانية والثالثة فقد كان السبب معزواً إلى ملاحظتك بطئ حركتك في ردود الفعل لديك، حيث أنك اكتشفت أنك يجب أن تلعب على وتر السرعة بشكل دقيق أكبر، في وفي المرات التالية في كل مرة كنت تركن على عامل وتترك عاملاً آخر، ولكن في النهاية كنت تنتهي بهزيمتك المدوية في زاوية الحلبة وكأن وحشاً مفترساً سيطر على حركتك تماماً فأخضعك وأخافك، وأما عن العامل المشترك بين كل ذلك هو عقلك الذي يغلي بالأفكار، فإن تمكنت من جمع شتات ذهنك وتحديد المخاوف التي تجعلك في تلك الحالة؛ لعلك تتمكن من حلهم واحداً تلو الآخر ومن ثم تكون جاهزاً لمحاكاة أخرى في نفسية جديدة وعقل منظم.
في الواقع كان كلام حبيبته رشا في مكانه حيث أنه وفي الوقت الذي جاوز تدريبه الحد الفائض عن التدريب المطلوب ليكون محترفاً، فإنه لا بد وأن يكون هناك سبباً استثنائياً لهزائمه المستمرة. لم يكن فهد بغير وعي بأن سبب ضعفه عند المواجهة كان كله نابعاً من بنك أفكاره التي تتكفل به منذ بداية استعداده للعراك في كل مرة وحتى وصوله إلى لحظة الخضوع أمام الخصم. صمت برهة، أغلق عينيه وكأنه يحاول أن يستحضر صوابه لكي يعيد ترتيب الأفكار في ذهنه فيضع كل فكرة في مكانها الصحيح، وجلست رشا إلى جانبه وهي تتأمله بإعجاب وكأنها تريد أن تقول له
"أجل، صحيح تماماً ما تفعل، استمر في ذلك وستنتهي المخاوف".
هم فهد للكلام ثم سكت وأخذ نفساً عميقاً، ومن ثم عاد وتمتم بصوت منخفض موجهاً ما يلفظ إلى زوجته:
- لا أستطيع أن أخسر أمام المتدربين الذين معي في الثكنة، هو والله كبرياء النفس، وشرف الانتصار، وانكسار الهزيمة، أحس بخرق في كرامتي إن سقطت على الأرض أمام الجميع لأتلقى لكمات وكدمات صدام دون حراك وكأنني الضحية التي افترسها وسيطر عليها، أين شرف نفسي في ذلك الموقف!
- أمامك خيارين إذاً؛ إما أن تواجه وقد صممت على الانتصار، وتسلك أي سبيل لكي تكسب المباراة، ولا تجعل سببًا يعجزك عن التركيز والهجوم، في هذه الحالة سيكون ما يخجلك من نظرة زملائك إليك هو ذاته المقود الذي سيجعلك ملاكماً شرساً لتكسب الجولة.
وكان في الواقع هذا ما جرد الأفكار التي في ذهن فهد، فجعلها خالية من الشوائب وقرر أن يبذل جهداً ليجعل كل تركيزه على الشراسة في المواجهة، فتكون الفكرة التي جعلت كل شيء في صالحه، لطالما أنه في الأسبوعين الماضيين كان يدرك أن الأفكار التي تدور في رأسه هي التي تؤثر على هزيمته، فكان يحاول التخلص منها، أما الآن فقد قرر العمل بطريقة جديدة، فهذه المرة سيعمل على كبت أفكاره كلها بفكرة واحدة، وهي الشراسة في الهجوم.
أراد أن يتصل بجهاز المحاكاة فهدأته زوجته مقنعة إياه أن يجعلها في الغد، لعله يكون قد تمكن من حصر أفكاره وتقويم فكرة الهجوم أكثر في نفسه، فأقر على ذلك وانتظر صباح اليوم التالي بفارغ الصبر وقد عكف خلال اليوم على تمارين التحمية الجسدية تارة، وعلى تمارين التنفس العميق تارة أخرى، لكي يفرغ التوتر العميق الذي في داخله.
ولم ينفك على ذلك الحال مستمراً حتى صباح اليوم التالي ولم يكد ينم إلا ساعات قليلة، وقد تناول وجبته الصباحية من الأطباق الصحية، أخذ استحماماً سريعاً وهيَّأ لباسه المناسب للتمرين من جديد مستعداً للمباراة.
ربط فهد من جديد الرباط الأزرق الغامق، وضع خوذة الرأس ودخل من جديد إلى الحلبة مستعداً لمواجهة شرسة يحقق فيها هزيمة نكراء لصديقه صدام، أديا سلام الملاكمين، بدأ الهجوم، والجمهور كله متأهب لرؤية المعركة حامية الوطيس، في خدعة بسيطة ترك فهد فرصة الهجوم كلها أمام صدام، وجعل يتلقى الضربات فيصدها بمهارة عالية، وكان في كل ضربة يصدها يخيل إليه بأنه صد فكرة هاجمة على حمى عقله تخص الجمهور المشجعين، فكأنه حين يصدها يؤكد لهم بأني لا أخشى شيئاً وليست نظرتكم هي ما يشغلني، فأنا منهمك في الخصم الذي أمامي حيث سأخضعه بهجوم يعجزه عن القيام أمامي.
انتهت فترة تلقي اللكمات من قبل فهد وكان قد صدها كلها، أما الآن فقد كان وقت الهجوم وتحقيق ما خطط له، فأسرع إلى لكمة مدوية وجهها نحو وجه خصمه كاد بها أن يهشم عظم وجهه، وتلقاها صدام بارتداد مؤلم للخلف، لكمة في البطن، لكمتين على الفخذين، ثلاثة لكمات متتالية على الوجه باستخدام القبضتين اليسرى واليمنى على التوالي، فسقط صدام على الأرض مغشياً عليه وقد أنهكت قواه وتمكن منه فهد، فأعطاه نصيبه من الكدمات واللكمات بقدميه حتى صاح الجمهور يهتف بصوت واحد باسم فهد الزعيم، مع صوت كالنحيب يميل إلى صوت دوي النحل بحق صدام المهزوم انهزاماً سحيقاً، وبعد أن استيقظ صدام من غيبوبته، وكان قد نقل على نقالة المرضى إلى ركن خاص للتمريض، وقد وقف فهد إلى جانبه، نظر صدام نظرة فيها انكسار وكأنه يعبر عن خيبته، فمسح فهد على رأس صاحبه بطريقة فيها جبر لشعوره، وقال معاتباً:
- أهكذا تفعل بي يا صاحبي.
- ما تركت لي خياراً يا صاحبي.
- خلعت قلبي عليك.
أطرق صدام رأسه وأنفاسه تكاد تنطق بالتأوه لشدة الألم، ثم عاود النظر إلى صديقه الذي يطيب خاطره فقال:
- كيف أنظر في وجه زملائي الآن؟ وأنا كنت الملاكم المخضرم بنظرهم، كيف لي أن أعطي التعليمات وأظهر البأس والشدة وقد رأوا انكساري عند المواجهة بأم أعينهم، هل سيصدقونني بعد الآن حين أعطي وعظًا في قوة التحمل عند الدخول في العراك؟ أم أنهم سيشمتون بي إذ رأوا أن أفعالي لا توافق أقوالي!
- ولكنك يا صدام..
قال مقاطعاً:
- إن أردت أن تقول بأنهم لن يشمتوا بي لأنهم يحترمونني على كل حال فعلى الأقل سيكون ما حل بي سبباً كافياً لإحباطهم في التدريب، إذ سيرون أن أكثرهم براعة وإتقاناً للحركات الدفاعية والهجومية على حد سواء سقط مغشياً عليه لشدة بأس الموقف عليه، فكيف بهم هم الذين بدأوا لتوهم.
هنا أخذ فهد نفساً عميقاً ثم قال بإصرار:
- يااا صدام، لم تعذبني فيما هو غير سوي من الأفكار، عن أي هزيمة تتحدث وقد واجهت حتى اللحظة الأخيرة، ولم تكتف بصد اللكمات فحسب وإنما هجمت علي عدة مرات وقد أشبعتني لكمًا، ثم من قال أنهم سيرون وقوعك مغشياً عليك؛ ولن يلاحظوا أنك لم تستسلم على أي حال.
قال صدام وقد ارتسمت على شفاهه ابتسامة مكر:
- ما بالك تحدثني بأسلوب..! جعلتني أشعر بأني أنا الذي أوقعتك أرضاً.
- أتستنكر أني قلت بأنك لم تستسلم، ألم تفعل كل ما بوسعك حيث استنفذت الأسباب التي بحوزتك؟ ألا يعد هذا انتصاراً.
- كف عني يا رجل.
- أقسم بأني أقول الحقيقة ولو كنت في مكانك لكان شرف وقوعي مغشياً علي سيكفيني إن لم يتبق لي أي فرصة لكسب الجولة، فعلى الأقل سيرى الجميع بأني وإن تجمعت الأسباب ضدي فإني أكثر شجاعة من أن أنسحب وأني أواجه الظروف حتى آخر رمق، فإما نصر وإما وقوع مشرف، ولكن أتعلم يا صاحبي ما الذي يقلقني؟
فنظر إليه صدام منتبهاً.
- ما يقلقني هو أني لست مثلك في رؤيتي لهذه المباراة، فأنا أعلم أنها ليست حرباً، وأدرك بأني لا يحق لي أن أؤذي نفسي على كل حال حيث أني لا أواجه عدواً مارقًا وإنما هي كلها جولة. فمن منطلقي هذا إن صرت إلى الحال الذي كنت فيه قبل أن تدخل في الإغماء لكنت سأطلب السلم والتوقف على النصر لصالحك، وهكذا من اختلافنا في منطلقاتنا فإنك ستكون أنت البطل وأنا الجبان بنظر الزملاء.
ابتسم صدام وقال بتأنٍ:
- دع عنك يا فهد فإنها مباراة وحسب، على الجميع أن يعرف بأن مواجهة العدو فيها نصر أو أذى وقوع الإغماء حتى وإن أدى إلى الموت، وأما مباريات الدوري فيقف حدها عند إعلان أحد الخصمين أنه في حال يميل إلى السوء فتقف المباراة على الفور.
حين أفاق فهد من حاله التنويم التي كانت قد سيطرت عليه بفعل الأسلاك الكهربائية الموصولة في أعضاء جسده، وجد حبيبته رشا تقف أمامه مكبرة وهي تتأمله بعجب، وما إن نزع الأسلاك عن جسده وتوجه إلى الطاولة المجاورة لتناول فنجانه القهوة؛ قالت له بتعجب:
- ألم تلاحظ بأنك فسرت أسبابًا لصديقك صدام بطريقة وكأنك لم تكن تعاني منها! لقد أقنعته مع أنها كانت ذاتها هي مخاوفك في الأساس.
- هل تعلمين أنني أنا أيضاً تعجبت من نفسي، ولكني لم أجد خياراً أمام صديقي المستيقظ لتوه من إغمائه، كما أن كرامته تعنيني تماماً كما تعنيني كرامتي.
- كنت رائعاً!
- ولكني هل بالفعل سأتصرف كما أخبرته إن حل بي ما حل به في المباراة الفعلية التي ستعقد بعد يومين؟
ابتسمت رشا بخبث وقالت:
- هي مسألة شرف الآن؛ شرف أن تلتزم بما تقول ولا تتراجع في حال سير الظروف بشكل عكسي بالنسبة لك أو هزيمتك مثلاً.
- دعيني من هذا، الهزيمة هزيمة في كل الأحوال، ولكن لا بد وأن أبذل ما بوسعي لأتجنبها وأواجهها فأكون استنفذت الأسباب التي بين يدي في أقل تقدير!
رامة حمو