محاكاة في حلبة المصارعة — القسم الأول

2025-09-10

محاكاة في حلبة المصارعة — القسم الأول

جلس في ركنه المظلم يستعد للمبارة التي ستعقد غداً في مكان تدريبه. كان شديد التحفظ بحق هذه المباراة، فهي ستثبت جدارته من عدمها، وبات رأسه يغلي كالمرجل من شدة دوي الأفكار بداخله.

إن لم يكن جديراً بالفوز في هذه المباراة فلن يكون هناك أي معنى لكل ما تدرب عليه في الشهور الماضية، فأين القيمة في التدريب إن خسر عند المواجهة!

وأخيراً جاء الموعد.

ربط يده برباط أزرق غامق اللون، ووضع الخوذة الحامية لرأسه، ومن ثم بدأ بتهيئة نفسه لمواجهة صديقه الحميم صدام حيث أنه سيصبح عدوه اللدود لحظة دخولهما الحلبة وأدائهما لسلام الملاكمين، فعندها سيسعى كل منهما لإيجاد ثغرة يصل منها إلى نقطة ضعف في جسد الآخر، فيضربه فيها بكل قوته. سيحاول كل منهما تضليل الآخر كمحاولة لخداعه حيث يوحي إليه بأنه سيوجه لكمة إلى الوجه؛ فيحمي نظيره وجهه، وإذ به يناوله لكمة قوية بالقدم، وهكذا سيسعى كل منهما إلى إخضاع الآخر.

كان فهد وهو يستعد لمواجهة صديقه صدام يخفي توتره فيحبسه في منطقة عضلات البطن، حيث يستطيع التركيز على قوة لكماته وإضعاف عدوه وحسب، وأما في الجانب الآخر من أفكاره فقد كان مشغولًا تمامًا بالتفكير في جمهور المتدربين الذين يتدربون بالعادة في ذات الدورة/الثكنة.

حيث لم يستطع تجاوز فكرة أن هزيمته إن كانت فستكون وخيمة جداً!

ليس من الناحية الجسدية وإنما من ناحية وجوده ونفوذه في المكان، فهو متدرب متميز قوي البنية يتقن كل اللكمات ويعين غيره على تعلمها، فماذا إن خانته مهارته الآن؟

ماذا لو ضعفت قواه فجأة ولم يستطع تدارك الأمر؟

الأمر سيكون مشيناً بالفعل، كيف سيعود بذات الثقة أمام زملائه المتدربين بعد هزيمته من جديد لكي يدربهم ويعلمهم ما عجز هو عن الوصول فيه حد الكمال.

كانت جدُّ أفكاراً مقلقة لم تفارقه طيلة فترة تجهزه لدخول الحلبة، فكانت دقات قلبه تتسارع وأنفاسه تتصاعد، وهو يقبض على يديه المربوطتين ليخفي توتره.

في الواقع، صديقه صدام لم يكن أقل مهارة منه، فهو أيضاً ملاكم مخضرم. وإن صح القول فهو متدرب أيضًا ولكنه كان من أبطال الدورة لذلك قام زملائه وذويه بترفيعه من أنفسهم فجعلوه بطلهم الخالد، وأطلقوا عليه لقب الملاكم المخضرم حيث إنه من أقدمهم زمنًا في التدريب.

وعلى هذا فمن المحتم أن يكون العراك حامي الوطيس وذلك إن استطاع فهد الثبات أمام صدام، وقد كان واضعًا نصب عينيه خيارين: إما أنه سيتمكن من الصمود أمام صديقه وسينتهي العراك بالتعادل وبهذا على الأقل يحمي شرفه كلاعب متمرس وسيكن له الجميع التقدير لكونه يستحقه بالفعل.

فقد وازن بين جهده وتطوره في المهارة وبين حفاظه على مهارته دون أن ينزل بمستواها، وعندها يكون جامعاً لشرف المحاولة مع شرف الثبات فيرتقي بكرامته أمام زملائه المبتدئين.

وأما الخيار الثاني فقد كان أن ينهزم أمام قوة صدام، فلا يملك من أمره شيئاً إلا أن يخفي وجهه من أصحابه، أو يظهر وجهه أمامهم ليشعرهم بأن هزيمته المحققة لم تؤثر عليه وبأنه وإن هزم جسدًا فإنه لم ينهزم روحاً وذهناً ولا يزال أمامه الكثير من الفرص.

ولكنه في الواقع سرعان ما انهزم أمام ما راوده من فكرة الخسارة، فهو لم يستطع أن يفصل في تلك اللحظة بين احتمالية إخفاقه، وبين شرفه الذي سيذهب مع ذلك الإخفاق.

فتجمعت الظروف ضده واستبدت به ولم يبق سوى ثوانٍ معدودة عن بدء المواجهة، فلم يجد نفسه إلا محشوراً في الزاوية مع الأفكار السوداوية التي أحاطت به من كل مكان، وذلك في ذات اللحظة التي أطلق فيها الحكم صافرة الإعلان عن بدء المباراة، فما إن كان فهد في أوج تشتت ذهنه ومحاربته مع الأفكار السوداء الداخلية التي كانت تهجم عليه تمامًا كحال الديدان التي تهاجم الجثث الميتة النتنة، كان صاحبه صدام قد وقف في مواجهته في استعداده التام لكي يلكم في أي لحظة.

وقفا قبالة بعضهما البعض، أديا سلام الملاكمين وكانت اللكمة الأولى أطلقها صدام فتلقاها فهد في عضده صادًا إياها، وكان ذلك من سجيته التامة وليس لتركيزه أي دور فيه، فقد انحصر تركيزه كله في الديدان الهاجمة على عقله، أما العراك فقد كان ينبع من فطرته التي طورها في ميدان الملاكمة.

استمرت المواجهة بضع دقائق وكلٌّ منهما متأهب لإيجاد ثغرة في جسد الآخر، ولكن ما كان لفهد أن يهاجم وهو في تشتت ذهنه فكيف له أن يستجمع قواه؛ فترك زمام المبادرة لصديقه العزيز.

وقد صدقه صاحبه في ما ترك له، فأخذ زمام المبادرة بشكل تام وبدأ الهجوم من طرفه، سيطر على وضعية الهجوم إن صح القول.

اللكمة الأولى في الوجه، الثانية في الوجه، الثالثة على الفخذ، الرابعة في البطن حين جعل صديقه يواجه مصيره ملقى على الأرض.

ولكن الفطرة لدى فهد عملت بشكل فعال فقام على الفور من وقعته، وحاول الهجوم؛ لكمة على الوجه، لكمتين على الفخذين، لكمة في البطن ولكن صدام تلقاها في عضده فصدها.

واستمر العراك بهذه الطريقة أحدهما يهجم والآخر يتلقى وإما ينجح في التصدي أو يستسلم، في الحين الذي كانت أنفاس فهد تضيق أكثر وأكثر فالأفكار التي برأسه لم تتهذب بعد، بسببها أصبح يصد لكمات أكثر بكثير مما يوجه منها لصاحبه، وحين يصد كان ظاهراً يصد لكمات صديقه صدام، ولكنه في الواقع كان يصد الأفكار التي داخل مرجل رأسه بالإضافة إلى اللكمات الخارجية التي أهدرت قواه، ما إن يسعى لأن يهجم بخطة محنكة إلا وترتج أعضاءه معلنة استسلامها، لا شيء من جسده يعينه على التخطيط. وكأنه يريد أن يعلن خصامه لفهد لأنه لا يستجمع عقله المشتت، فيقول له استجمع ذهنك وتمكن من أفكارك لكي أعمل بكفاءة أكبر.

جسده يناديه لكي يركز، واللكمات أخضعت قوته، وصديقه صدام حشره في زاوية الحلبة، وأما الجمهور من زملائه المتدربين فكلهم كانوا يهتفون باسم صدام لأنهم رأوا عزمه في إخضاع خصمه بإحكام، وانتهت المباراة بأصوات مختلطة بضع منها يهتف باسم صدام والنصف الآخر يهتف بصوت يشبه دوي النحل بنبرته ليعلن شماتته بهزيمة فهد الكاسرة.

في تلك اللحظة ارتج جسد فهد المرهق هزة قوية، وفي نفس اللحظة دخلت زوجته الحبيبة إلى الغرفة مسرعة لفصل أسلاك جهاز المحاكاة عن جسد زوجها الذي أعياه التعب والإرهاق.

حينها قام كالنائم الذي يصحى ملهوفًا من كابوس أقلق نومه.

نظر إلى زوجته نظرة تعجب وكأنه يريد أن يسألها عن نفسه من هو أو من أين أتى أو حتى في أي زمن هو.

ابتسمت له حبيبته رشا وقالت بصوت خافت مربتة على ظهره:

- لقد أتعبت نفسك بحق، لم يكن لخوفك من نظرة الزملاء أن يستبد بك إلى هذا الحد.

- ولكنه استبد بالفعل.

- إنها مجرد محاكاة.

- محاكاة كأنها واقع.

يتبع..

رامة حمو