مهاتير محمد
2025-08-08

من أبرز الأمثلة على الشخصيات المرموقة التي اشتعلت حميتها في سبيل نهضة الأمة، شخص لم تقتصر جهوده على منصبه في الحكم، بل كان رجلاً سياسياً ساعياً بمختلف الطرق، طارقًا لمختلف الأبواب.
فقد كانت مشاعر النضال الحيّ تتأهب في داخله قبيل دخوله الجامعة، حيث كان شديد الاهتمام بأمر شعب الملايو.
وعلى وجه الخصوص، فإن هذا الشعب قد اشتهر بالودّ والسلام الغالبين عليه، لكنه لم يكن شعباً متحداً في مواجهة الصعاب على طريق الوحدة والاتحاد والتقدم، أو بتعبير أوضح: كان شعبًا كسولًا، وهذا ما كان يؤرّق مهاتير محمد بشدة، إذ كان يعتقد أن قبائل الملايو، لكي تتحد ويكون لها دولة مستقلة ونفوذ وسمعة، لا بد أن يكون أفراد الشعب نشيطين، وهذا ما لم يتحقق بسهولة.
نبدأ القصة من بدايتها: كانت قبائل الملايو، وجزءًا من أهالي الشعبين الصيني والهندي، يقطنون شبه جزيرة الملايو، التي تُعرف اليوم بالجزء الغربي من ماليزيا، والقسم المسلم منهم هم أهالي الملايو، بينما كان معظم الصينيين والهنود يدينون بالبوذية أو الهندوسية أو المسيحية.
أما عن سمات كل شعب، فقد اتسم الصينيون بالجدارة العالية في الصناعة، والتطوير السريع، والتفوق الدراسي في قطاع التعليم، وأما شعب الملايو فلم يكونوا على ذلك القدر من التفوق، ولم يكونوا يشعرون بأهمية ذلك من الأساس.
وهنا بدا الفرق لدى رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، إذ كان يملك صفات تختلف عن صفات المجتمع الذي نشأ فيه.
كان لديه بعض الآراء بخصوص تحقيق الاستقلالية لقبائل الملايو بتأسيس دولة، والتي هي ماليزيا حالياً، لكن التغيير والإصلاح لم يكونا سهلين، وبالأخص أنه لم يكن حينها يمتلك شهادة جامعية، الأمر الذي جعل كلامه غير مؤثر في محيطه.
قرر أن يدرس في الجامعة ويحصل على شهادة البكالوريوس في أحد التخصصات.
ومن هنا، التحق بكلية الطب في سنغافورة.
مارس السياسة بشكل متقطع خلال حياته كطالب جامعي، وفي هذه المرحلة بالتحديد بدأت ملامح التميز والعظمة تظهر في شخصيته، فقد كان يتسم بسمات مهمة، منها الإخلاص في العمل، والحس العالي بالمسؤولية.
أي رجل هذا الذي يحس بمسؤولية تجاه شعب بأكمله وهو لا يملك مفاتيح الوصول، ولم يُخلق وفي فمه ملعقة من ذهب!
أثناء دراسته؛ لم يمارس السياسة إلا بشكل متقطع، لقناعته بأنه عليه التركيز في تخصصه، وألا يُقصّر مطلقاً، فكان طالباً مجتهداً.
بعد تخرجه في عام 1956م، مارس مهنة الطب، وصرّح بأنه خلال سنة كاملة لم يرَ النور، لأنه كان ينجز عمله بإخلاص وتفانٍ؛ حيث يصل إلى عيادته قبيل الشروق، ويرجع في الليل في ظلمةٍ حالكة.
وأما عن مرضاه، فقد كان يعمل معهم ليحقق الفائدة للبشرية، بأجور زهيدة قد تصل إلى 70 سنتًا أمريكيًا.
كان يعتني بهم لأنه يرى أن عليه معالجتهم، ببساطة لأنه يعرف كيف، وهم لا يعرفون، ولأنهم مجرد مرضى، وبالفعل، كان طبيباً لأمراض الأفراد والبلاد على حدٍّ سواء.
اشتغل بالسياسة بعد أن صار طبيباً، وعندها لاقى كلامه صدى أكبر، لأنه يتحدث كسياسي وطبيب.
في العام 1974م، تم تعيينه وزيراً للتعليم في ماليزيا. وفي العام 1981م، وبعد استقالة تون حسين من رئاسة الوزراء، تولّى مهاتير محمد المنصب، فكان رابع رئيس وزراء لماليزيا.
استقال في العام 2003م، بعدما نهض بالبلاد نهضة عظيمة؛ حيث رفع أجور العاملين، ونهض بالقطاع الصناعي، وخصص خمس صناعات من العيار الثقيل للعمل عليها في ماليزيا، لأنه كان يؤمن بأن الدولة لا يمكنها منافسة الدول المتقدمة إلا إذا تبنّت صناعات أساسية بشكل كامل.
وباختصار، فقد أسّس مهاتير محمد ماليزيا الحديثة.
ألّف العديد من الكتب التي لاقت رواجاً كبيراً، وقد أحصيتها فبلغت ثمانية كتب – ولا أدري إن كانت أكثر.
في عام 2018م، وعن عمر ناهز 93 عامًا، عاد من جديد للترشح لمنصب رئاسة الوزراء، لأنه وجد أن الرئيس السابق كان شديد الفساد على الدولة، وقد فاز بالفعل، فخدم بلاده من جديد، وأصبح بذلك أكبر زعيم سياسي في العالم، ثم استقال مجددًا في عام 2020م.
خلال مسيرته، وفي إحدى الفترات التي عُزل فيها، حين كان لا يزال ينضم ويترشح للأحزاب، شعر بالحنق تجاه أبناء شعبه.
إلا أن ذلك لم يكن نهاية المطاف بالنسبة له، لأن الهدف المنشود لم يكن قد تحقق بعد، فكتب كتابًا بعنوان "معضلة الملايو"، تحدّث فيه عمّا يقلقه ويؤلمه من تصرفات شعبه غير الواعي بحاله، وما عليه من مسؤولية ينبغي له أن يتحمل أعباءها، لكي ينهض ويتّحد ويكون له كيان مستقل.
قال: "أيها الملايو، عليكم أن تكونوا مجتهدين، جادّين، في صفوف العلم ثابتين!".
لم يجد سبيلاً لنشر كتابه في منطقته، فلم يتوقف، بل ذهب إلى سنغافورة ونشر كتابه هناك.
وكانت النتيجة صادمة وغير متوقعة بالنسبة له، فقد لاقى كتابه رواجاً كبيراً وانتشر على نطاق واسع بين أفراد شعبه، وكان مؤثراً بالفعل.
عاد مهاتير بعدها إلى السياسة، وترقّى حتى وصل إلى رئاسة الوزراء، كان قائدًا للبلاد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
حقق المكاسب، وأقام علاقات دولية، وتجنّب المناوشات، وطوّر الصناعات الوطنية، بالرغم من اعترافه بأن المنافسة كانت صعبة، خصوصاً أمام دول كبرى مثل الصين.
وقد تمثل ذلك التحدي في مشروعه لصناعة السيارة الوطنية الماليزية؛ إذ كان من الصعب عليه أن ينافس فيها، لكنه في النهاية فعلها!
هذه الشخصية الفذّة ليست مجرد مثال عادي، بل مثال يُحتذى به.
كان مؤثراً بحق، وإن أسقطنا مفهوم "الحمية" على سيرته، فإنه أصدق من يمكن أن تُطلق عليه هذه الصفة؛ فقد حامى عن مصالح شعبه وقضاياهم ووحدتهم، واقتنع وفكّر حين لم يكن غيره يفعل، وإن وُجد من فكر مثله؛ فلم تكن هذه السمة الغالبة على محيطه.
وإن أسقطنا مفهوم "الخلافة" من منطلق الإصلاح والإعمار فهو يعد قالباً ملائماً أيضاً، بما حققه على أرض الواقع من تقدم حكيم، حيث أبرز في أسلوبه مسؤولية عالية ومراعاة عدم الخوض في منافسات خاسرة.
فهو، بما فعله وأنجزه، كان كافيًا له ولمن حوله أن يعتقد، والأفعال تأتي بعد ذلك طواعية.
إن سارت الأمور بانسيابية؛ فهذا مقصده وقد أدركه، وإن لم تسر؛ فإنه يواجه كل عقبة تظهر في طريقه.
أطال الله في عمر تون مهاتير محمد، وأكثر من أمثاله ممن يُحتذى بهم، ويقتفون الأثر الذي يمكنهم تركه، كما فعل.
رامة حمو