في أروقة القصر

2025-07-30

في أروقة القصر

دخلت القصر في جنوب الهند وهي شديدة العجب من مدى كبره وعظمة بنائه، كان يوماً ماطراً شديد الرياح، ولكنه رائعاً باهياً بالنسبة لها؛ فقد اجتمعت مع أمنية كانت في يوم من الأيام أهم ما يجول في خاطرها، ها هي الآن على موعد مع الوقوف بالمقابلة وجهاً لوجه مع قامة من قامات البناء في العالم، قصر (ميسور) العظيم، يحمل تاريخًا طويلاً حافلاً بالأحداث.

بعد أن وقفت وقفة إجلال لهذا الحدث، اخترقت البوابة الخارجية للقصر وقلبها يزداد نبضًا وخفقانًا، خطوات وحسب تفصل بينها وبين بقايا تاريخ أمة بأكملها مرت من هنا في أحد القرون السالفة.

تجاوزت البوابة والحديقة الخارجية، ومن ثم وصلت إلى البوابة الداخلية التي تنفذ بها إلى بهو القصر ذات الفسحة السماوية، فما إن تدخل إليه إلا ويكون قسم الملك مقابلاً لها، قسم العبيد والخدم إلى اليسار، وقسم المطابخ المسؤولة عن الطهي إلى الجانب اليمين منها.

احتارت في أي وجهة تذهب، أو من أين تبدأ، ولكن خيالها لم ينتظر خطواتها المترددة، فقد انطلق راشداً إلى أماكن بعيدة جدًا، راحت تجول وتصول بخيالها في مماشي الحديقة الضخمة التي تقبع بداخلها، تتخيل أحد أبناء الملك يمشي من هذا الممشى ووراءه حاشيته من الخدم.

وهناك في ذلك الممشى الذي في أقصى بهو القصر وقرب قسم المطابخ راحت تتخيل عبداً حاملاً مائدة الملك ناقلًا إياها إلى غرفته الكبيرة التي تقع على بعد أمتار منها.

تمشت قليلاً فاقتربت من قاعة الاجتماعات الضخمة الخاصة بالملك، فراح خيالها في رحلة مثيرة تتخيل فيها الملك وهو يستقبل وفودًا من الدول الأخرى هنا في قاعته، يجلسون حول تلك الطاولة يتشاورون في الأمور الخارجية للدولة، ولعل وزيره الأعلى كان يجلس في ذلك الكرسي حين أشار على مولاه بأن يتغير نظام التحالفات الاستراتيجية فيصبح موسعًا من أجل تشكيل قوة ضد الاستعمار البريطاني في ذلك الوقت، وانطلقت من فمها ضحكة عالية حين رأت يدها قد أشارت إلى الكرسي حقًا، ونظر العالم إليها بريبة يتخافتون الضحك والتبسم لمنظرها، فقد كانت مأخوذة تمامًا في حالها وهي تتخيل وتتصور الكثير من الأحداث الواقعة هنا في التاريخ، ولكن إن رغبنا في معرفة عزيزتنا نادين أكثر فإنها لم تكن تبالي بنظرات من حولها قط، وكل ما كان يشغلها هو أن تشبع فضول عقلها الغض؛ شديد البراءة والبراعة في آن واحد.

استمرت في تنقلها بين الغرف ولم تكن تأبه للوقت في يد وقفاتها المطولة أمام كل قطعة أثرية باقية من آثار الملك وسلالته لفترة من الزمن قد تصل إلى نصف ساعة، كانت جد شغوفة في ملاحظة التفاصيل وتخيل السيناريوهات الممكنة لاستعمالات كل قطعة، فإن كتب أمام القطعة أنها هدية من ملك الدولة المجاورة لملك الهند فإنها كانت تتخيل الوفد القادم لتقديمها بكل هيبة، وإن كانت قطعة خاصة بآل بيت الملك كقطعة مشط أو مرآة فإنها كانت تتخيل الماشطة وهي تقف خلف زوجة الملك لتشرف على تصفيف شعرها، وابتسمت بشدة حين تخيلت أن الملكات والأميرات أيضًا يمشطن شعرهن تمامًا كما تفعل هي حين تستيقظ كل صباح ويكون شعرها بالغ التناثر، ثم كتمت ضحكتها وهي تتخيل ملكة بشعر منثور.

استمرت في خطواتها حتى انتهت من نصف الغرف الخاصة بقسم الملك وحاشيته، والتي تعنى بأمور الدولة والأمور الرسمية للقصر كالاستقبالات الخارجية واجتماعات الوزراء وما إلى ذلك، فأرادت أن تنتقل بدورها إلى جانب آخر من جوانب القصر فلا تستنفذ كل وقتها في جانب واحد من القصر، والذي فاتها هنا قررت أن تعود إليه لاحقًا، بعد أن تلم بجوانب القصر الكثيرة.

انتقلت بدورها إلى قسم المطابخ، فرأت العجيب من الأقدار وأدوات الطهي ضخمة المقاس، كانت جد كبيرة، فلم تكد تستطيع تخيل حجم عيار الطهي المستعمل فيها، وأقسمت بينها وبين نفسها بأنها لو كانت تعمل في القصر كطاهية فإنها سيتم طردها منذ أول مائدة تحضرها، فحتى الثريد يصعب تقديره بعيار يناسب تلك الأقدار، وتخيلت نفسها تطهو لعائلتها الصغيرة بقدر عظيم الحجم كهذا، وضحكت بخبث إذ سيتحتم عليهم أن يأكلوا ذات الطعام لمدة سبعة وثلاثين يومًا!

حينها لن تكون مضطرة لأن تطهو كل يوم لطالما كانت وظيفة شاقة عليها، ولكنها لم تحب الفكرة فهي لا تفضل أن تأكل ذات نوع الطعام خلال شهر كامل.

انتهى حبل أفكارها حين وصلت إلى نهاية المطابخ فلاحظت بأنها معجبة جدًا بطبيعة الأواني الهندية القديمة المستعملة، وأقررت في نفسها بسرور بأنها ستقتني بعض الأواني المشابهة لتلك التي رأتها في معرض القصر، من المحال التجارية التي تختص ببيع القطع الأثرية.

كانت الساعة قد قاربت الرابعة عصرًا، والقصر يتم إغلاقه في السادسة، تنهدت بعمق حين أدركت تعبها الشديد من كثرة المشي الذي ساقها في أروقة القصر وحدائقه، وكان رأسها قد بدأ لتوه بالألم، فانزعجت بشدة، إلا أنها لم تكن تريد العودة الآن فهي لم تنهي رحلتها العجيبة ولم تشبع فضولها بقدر كافٍ، لقد أنهت نصف قسم الملك والمطابخ ولكن لا يزال أمامها النصف الآخر من قسم الملك وقسم الخدم والعبيد كاملًا، فقررت أن تستريح لمدة ربع ساعة تستعيد فيها طاقتها وبهجتها وتنتقل بعدها على الفور إلى قسم الخدم فتتجول فيه بسرعة لتلحق أن تسكت جزءًا من فضولها الذي يعذب داخلها، وذهبت بالفعل لتستريح.

فكرت وهي في جلستها بأنها إن داهمها الوقت ولم تلحق كل القسم فإنها ستعود لاحقًا لتبدأ التجول فيه بهدوء ومن ثم تنتقل إلى قسم الملك فتكمل ما فاتها منه من الأروقة، ومن ثم تكون قد أكملت مهمتها بنجاح، وصفقت لتوها بحماس إذ لاحظت بأنها حلت معضلتها بنجاح، ولكن سرعان ما عادت إلى رشدها حين انتبهت بأن من حولها ينظرون إليها بعجب، فقطبت حاجبيها بجدية وتنحنحت بهدوء وشدت ظهرها لكي تظهر بأنها إنسانة جادة وليست بلهاء كما يعتقدون.

بعد أن انقضت استراحتها قامت متجهة على الفور إلى قسم العبيد، وأرادت بفضولها العميق أن تتأكد، هل ما يروى في كتب التاريخ حقيقي؟

هل بالفعل كانت توجد طقوس عجيبة بما يخص العبيد والجواري أو (السبايا)؟

أخذت تتنقل بين تفاصيل قسم الخدم بعجب شديد، فمرت على الكثير من الأقسام، ولاحظت أنه ليس كبير المساحة كما كانت تعتقد.

مرت من القسم الذي كانت تساق فيه سبايا الحروب إلى البهو المخصص لهن، ووجدت الطاولات الرخامية التي كانت توضع عليها الأطباق الكبيرة وأواني الطعام المخصص لهن، ليتناولنه في مساحتهن الخاصة.

تنقلت بين الأقسام كلها، وشاهدت الحمامات وأماكن الاستحمام، لم تكن في ذلك القسم متعجبة فقط كما كانت في باقي الأقسام؛ في تلك اللحظة اختلجتها الكثير من المشاعر التي اختلط عليها فهمها.

لم تستطع التجاوز عن فكرة أن القصر الكبير عظيم الأروقة والأزقة وبالغ الوسع في المساحات المخصصة لقاعات الاجتماعات، الاستقبالات، والاحتفالات، وحتى غرف نوم الملك وعائلته، يخصص فيه أماكن شديدة الضيق للعبيد والجواري، أما كان بإمكانهم أن يوسعوا قليلًا عليهم!

أم أنه ذنب الإنسان أن لا يخلق حرًا.

كانت متأكدة بأنه لم يكن هناك مملوك من ذكر أو أنثى قد اختار مصيره بنفسه، كما أنها تبت بأنه لو خير أي مملوك في اختياره فإنه لم يكن ليختار إلا أن يكون حرًا طليقًا.

تألمت بالفعل حين تخيلت العبيد الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا ينامون ويصحون هنا في هذه المساحات الصغيرة التي لا يمكن للدواب أن تتكيف معها؛ فكيف بالبشر!

حين دخلت إلى الحمام المخصص للجواري كادت تدير ظهرها للجانب لكي تستطيع الدخول من شدة ضيق الباب.

احتارت بشدة وقد ابتعلت ريقها بصعوبة بينما هي تقرأ لوحة الوصف الخاصة بالقسم، وداهمتها عدة تساؤلات؛ لم هي المساحات المخصصة لهن صغيرة إلى هذا الحد؟

كونٌ كبير، فيه كرة أرضية، فيها بلدان كثيرة، وبداخل بلد من أعظم بلدان الأرض مساحة كالهند يوجد مدينة، في داخلها قصر، في داخل القصر أروقة عظيمة كلها كبيرة الحجم، أضاقت الأرض بما رحبت لكي يختارون نقطة لا تتجاوز نصف متر لتشكل باب الحمام المخصص للعبيد؟!

خرجت من الباب وهي شديدة الغيظ والحنق لما أحست به من تذليل مقصود لفئة سابقة من البشر.

تنقلت بمأت شديد في باقي الأقسام فوصلت إلى مكان النوم المخصص لهم.

كانت غرفة داخل ممر طويل جدًا، أرض الممر كلها حجارة يكاد حذاؤها يتمزق لسوء تعبيدها، بالإضافة إلى ضيق عرض الممر مما جعلها تكاد تتأكد من أن الملوك قصدوا الأمر بتصميمه بتلك الهيئة لكي يفرضوا سطوتهم على الفئة التابعة لديهم من العبيد ذكورًا وإناثًا.

ولتأكيد تذليلهم؛ لا يكون مكان يقبعون فيه إلا ويحسون بأنهم لا سبيل لهم لتجاوزه إلى الأمل في التفكير، فحدودهم السقف الذي يعلوهم والجدر الخشبية والحجرية الضيقة التي تكتم أنفاسهم، وإن أرادوا الهروب من السقف والجدران والجو الذي يميل إلى العتمة أمامهم إلى الأرض الحنون، فإنهم لم يكونوا ليجدوا إلا الحجارة التي تؤذي أقدامهم.

دمعت عينا نادين وخفق قلبها بشدة، انتابها شعور أسى مغمور بالشفقة لحال السالفين من البشر الذين كانوا يسكنون المكان هنا.

وصلت إلى غرفة النوم فرأت غرفة كبيرة واسعة، حينها أخذت نفسًا عميقًا وقالت في نفسها وقد بدأت تشعر بالسكون.

- إذا كان الأمر كذلك فلا بأس..

على الأقل مكان نوم واسع يستطيع فيه الإنسان أن يملك فسحة ليتنفس فيها ويلقي همومه عن ظهره.

لكنها سرعان ما عادت إلى حال الوجوم حين وصلت إلى اللوحة التي تصف المكان، حيث قرأت أن في هذه القاعة كانت تصطف الفرش جنبًا إلى جنب، لا يتجاوز عرض الفراش ستون سنتيمترًا.

ابتعلت ريقها وعاودت مشاعرها الاستثارة من جديد، لم تستطع تخيل المنظر والمأساة، يكون العبد في مشقته طيلة النهار وحين يجيء موعد النوم في وقت متأخر؛ يذهب لينام بين قبيلة من أترابه فلا يكاد يصل إليه ضوء القمر من شدة الازدحام وركام البشر من حوله.

خرجت نادين من الغرفة وكانت حينها قد انتهت من قسم الخدم بشكل كامل، وقد قاربت الساعة الخامسة والنصف.

فكرت في أن تستغل النصف ساعة المتبقية في زيارة النصف الآخر من قسم الملك، لكن شعورًا غريبًا وجدته في نفسها منعها من أن تكمل جولتها بذات الاندفاع الذي بدأت به.

انتابها شعور وكأنها تتخلى عن الرحمة والشفقة بفئة العبيد بأن تزور قسم الملك وتكون حليفة له، وهي في كل الأحوال زائرة حرة تستطيع أن تختار المكان الذي يناسبها لكي تعلن تواطؤها معه.

حين فكرت بتلك الطريقة أرادت أن تمثل دور المنقذ الرحيم بفئة العبيد، وأن تتواطأ معهم وتعلن أنها تقف إلى جانبهم وتناصرهم، فانصرفت إلى المقهى القريب من مدخل القصر وجلست فيه تستريح من عناء رحلتها الشاقة الشيقة ذات النهاية الأليمة.

طلبت فنجانًا من القهوة وهي تتأمل أرجاء القصر بعجب كامل، أي أزمنة مرت من هنا وأي بشر كانوا يسكنون المكان، ترى أي الحكايات وقعت هنا.

لم تذهب في خيالها بعيدًا جدًا فقد عادت إليها صورة البهو المخصص لنوم العبيد، الممر الضيق الذي يميل إلى الظلام، والحمام الذي لا يكاد البشري يستطيع دخوله لصغر مساحته.

بينما تتناول قدحها من القهوة غابت في أفكارها بما يخص الفئة الدنيا من المجتمع في حينها، وراحت تحاول أن تجد تفسيرًا للطبقية التي كانت تأكل المجتمعات في الأزمان الخالية.

شعرت بالكثير من خيبات الأمل وتأنيب الضمير بحق البشر المضطهدين في الماضي.

وما لبثت كثيرًا حتى تذكرت جملة قرأتها في أحد كتب التاريخ ومراحل تكون الحضارة، تقول بأن نظام الرق عند قيامه كان قد أنقذ البشرية من الهلاك، ففي الحين الذي كان الإنسان مع انعدام حضارته يميل إلى أكل البشر وبالأخص أسرى الحروب؛ فإن نظام الرق كان نقلة رقي حينها إذ يترفع الإنسان عن أكل نظرائه من البشر.

تنبهت حينها إلى أن القاعة المكتظة بالفراش التي أثارت فيها الكثير من المشاعر؛ كانت من الممكن أن تكون قاعة لسلخ جلود البشر وطهي لحومهم ليكونوا مساءًا على مائدة الملك المنتصر؛ لو أن الإنسان تأخر قليلًا في مراحل تشكيل الحضارة وتطويرها.

حينها ابتسمت برفق، وشعرت بأنها وصلت إلى زبدة الفكرة أو أنها استطاعت أن تجد ربع تفسير على الأقل لتساؤلاتها الشديدة.

مع أنها وعلى الرغم من ذلك لم تكف عن شعورها بالرحمة لأجلهم.

دفعت ثمن قدح القهوة وقامت على عجل لكي تلحق القطار المؤدي إلى الفندق.

رامة حمو